الثعلبي
194
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
وقيل لبهلول المجنون : متى يكون العبد متوكلا ؟ قال : إذا كان النفس غريبا بين الخلق ، والقلب قريبا إلى الحق . وعن محمد بن عمران قال : قيل لحاتم الأصم : على ما بنيت أمرك هذا من التوكل ؟ قال : أربع خلال : علمت أن رزقي ليس يأكله غيري فلست أشغل به ، وعلمت أن عملي لا يعمله غيري فأنا مشغول به ، وعلمت أن الموت يأتيني بغتة فأنا أبادره ، وعلمت أني بعين اللّه في كل حال فأنا مستحي منه . وعن أبي موسى [ الوبيلي ] « 1 » قال : سألت عبد الرحمن بن يحيى عن التوكل فقال لي : لو أدخلت يدك في فم التنين حتى تبلغ الرسغ ، لم تخف مع اللّه شيئا . قال أبو موسى : [ ذهبت ] إلى أبي يزيد البسطامي : أسأله عن التوكل ، فدخلت بسطام ودفعت عليه الباب فقال لي : يا أبا موسى ما كان لك في جواب عبد الرحمن من القناعة حتى تجيء وتسألني ؟ فقلت : افتح الباب ، فقال : لو زرتني لفتحت لك الباب ، [ وإذا ] جاء الجواب من الباب فانصرف : لو أن الحيّة المطوقة بالعرش همّت بك لم تخف مع اللّه شيئا . قال أبو موسى : فانصرفت حتى جئت إلى دبيل « 2 » فأقمت بها سنة ، ثم اعتقدت الزيارة فخرجت إلى أبي يزيد فقال : زرتني مرحبا بالزائرين [ لا ] أخرجك ، قال : فأقمت عنده شهرا لا يقع لي شيء إلّا أخبرني قبل أن أسأله فقلت له : يا أبا يزيد أخرج وأريد فائدة منك أخرج بها من عندك . قال لي : اعلم أن فائدة المخلوقين ليست بفائدة ، حدثتني أمّي أنها كانت حاملة بي وكانت إذا قدمت لها القصعة من حلال امتدت يدها وأكلت ، وإذا قدمت من حرام جفت فلم تأكل ، اجعلها فائدة وانصرف . فجعلتها فائدة وانصرفت . وروى طاوس اليماني ( رحمه اللّه ) قال : رأيت أعرابيا قد جاء براحلة له فأبركها وعقلها ، ثم رفع رأسه إلى السماء فقال : اللهم إن هذه الراحلة وما عليها في ضمانك حتى أخرج إليها . فخرج الأعرابي وقد أخذت الراحلة وما عليها ، فرفع رأسه إلى السماء فقال : اللهم إنه ما سرق مني شيء وما سرق إلّا منك . فقال طاوس : فنحن كذلك مع الأعرابي إذا رأينا رجلا من رأس أبي قبيس يقود الراحلة بيده اليسرى ويمينه مقطوعة معلقة في عنقه ، حتى جاء إلى الأعرابي وقال له : هاك راحلتك وما عليها . فقيل له : وما حالك ؟ فقال : استقبلني فارس على فرس أشهب في رأس أبي قبيس فقال : يا سارق مدّ يدك فمددتها فوضعها على حجر ثم أخذ آخر فقطعها به وعلقها في عنقي وقال : انزل فرد الراحلة وما عليها إلى الأعرابي .
--> ( 1 ) هكذا في الأصل . ( 2 ) مدينة بأرمينية .